الكفاءة النَّسَبيَّة في النكاح

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الزواج والطلاق -
السؤال:

انتشر في الآونة الأخيرة موضوع: "تكافؤ النَّسَب في الزواج"، وانتشرت قصة الزوجين الذَيْن طُلِّقا بحكم عدم تكافؤ النَّسَب؛ فما تعليقكم على القضية؟ وهل فعلاً يجوز تطليق الزوجين بحكم عدم تكافؤ النَّسَب؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعـد:

فإن الكفاءة: هي مساواة الرجل للمرأة في مور أمور مخصوصة، بحيث لا تُعيَّر الزوجة، ولا أولياؤها بزواجها منه. ومن الفقهاء من عرفها بأنها: "أمر يوجب عدمُهُ عارًا".

وذهب إلى اعتبار الكفاءة النَّسَبيَّة كل من: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، على تفصيل بينهم، واحتجوا بأحاديث كلها ضعيفة أو موضوعة؛ ومن أشهرها حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي يقول: "قريشٌ بعضهم أكفاءٌ لبعض؛ بطنٌ ببطن، والعرب بعضهم أكفاءٌ لبعض؛ قبيلةٌ بقبيلة، والموالي بعضهم أكفاءٌ لبعض؛ رجلٌ برجل" (رواه الحاكم. وقال أبو حاتم: "هذا كذب لا أصل له". وقال ابن عبد البر: "منكرٌ موضوعٌ").

وذهب مالك وسفيان الثوري إلى عدم اعتبار النَّسَب في الكفاءة؛ قيل لمالك: "إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربيةٍ ومولى"؛ فأعظم ذلك إعظامًا شديدًا، وقال: "أهل الإسلام كلهم بعضهم لبعض أكفاء"، وهو مذهب الكرخي، والحسن البصري، والبخاري، وقالوا: "إن الكفاءة في الدين"، واحتجوا بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة:

أما القرآن:

قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وقال الله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقره: 221]، وقال تعالى: {وأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]، وقال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10].

وأما السنة: فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم مَنْ ترضون دِينَه وَخُلُقَه، فأَنكحوه؛ إلا تفعلوا، تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ. قالوا: يا رسول اللَّه، وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم مَنْ ترضون دِينَه وَخُلُقَه، فأنكحوه" (رواه الترمذي عن أبي حاتم المزني).

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: {لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود؛ إلا بالتقوى} (رواه أحمد). ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: {يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه. قال: وكان حجَّامًا} (رواه أبو داود، عن أبي هريرة، رضي الله عنه).

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: {إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عُبِيَّة الجاهلية، والفخر بالآباء، مؤمنٌ تقيٌّ، وفاجرٌ شقيٌّ؛ الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، لينتهين أقوامٌ عن فخرهم بآبائهم في الجاهلية، أو ليكونن أهون على الله من الجِعْلان التي تدفع النتن بأنفها} (رواه أحمد وأبو داود، عن أبي هريرة، رضي الله عنه).

وكذلك السنن العملية مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بعدم اعتبار الكفاءة النَّسَبيَّة:

فمنها: أن أخت عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال.

ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج زينب بنت جحش -ابنة عمته- الأسدية القرشية من زيد بن حارثة مولاه.

ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها: "انكحي أسامة" (رواه مسلم).

ومنها: أن سالماً مولى أبي حذيفة بن عتبة، تزوج ابنة الوليد بن عتبة، (رواه البخاري).

ومما سبق يتبين أن اشتراط الكفاءة النَّسبَيَّة لا يصح؛ لضعف أدلته؛ ولقوة ما يرد عليه من إيرادات، ولوجاهة أدلة المانعين؛ قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري شرح صحيح البخاري": "ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث".

ويضاف إلى هذا: أن القائلين بالاشتراط يقدمون عليها الحسب، إذا توفر في الزوج صفات ترفعه؛ من العلم، أو المال، أو الجاه.

وعليه: فلا يجوز التفريق بين الزوجين بحجة عدم الكفاءة، لكن قد يترتب أحيانًا بعض المفاسد على مصادمة الناس في أعرافهم، وبعضهم تعارفوا على التفريق بين الأنساب؛ بحيث لايتزوج أحد إلا ممن يكافئه في النسب، فإن جاء من يخرق عرفهم قاموا عليه، وربما وصل الأمر إلى القتل، فضلاً عن قطيعة الرحم وغيرها من المفاسد، فإذا غلب على الظن وجود هذه المفاسد فلايجوز الإقدام على مايُفضي إليها؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، والله أعلم.