السلفية المصرية.. والخطة فشلت !!

محمد جلال القصاص

للحصول على رؤية واضحة للأحداث علينا أن نرصد المشهد من ثلاث جهات:
الجهة التي نقف فيها، والجهة التي يقف فيها من يخالفنا الرأي، وجهةٍ
ثالثة تلك التي يقف فيها مَن ليس معنا ولا علينا...

  • التصنيفات: الفرق والجماعات الإسلامية -



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن أحبه واتبع هديه، وبعد:ـ


ثلاثةٌ وثلاثة 
للحصول على رؤية واضحة للأحداث علينا أن نرصد المشهد من ثلاث جهات: الجهة التي نقف فيها، والجهة التي يقف فيها من يخالفنا الرأي، وجهةٍ ثالثة تلك التي يقف فيها مَن ليس معنا ولا علينا، وفي كل واحدة من هذه الجهات نفتش عن ثلاثةٍ: القول، والقائل، والسياق العملي الذي برز فيه القول وقائله. فهذه ثلاثةُ جهات نرصدها، وثلاثةٌ أمورٍ نفتش عنها في كل جهة للحصول على رؤية واضحة، وتحليلٍ دقيق لما يحدث، ويستلزم ذلك إمعان النظر، وتوسيع رقعة المتابعة والرصد، مع إعمال الفكر، ومحاولة التحليل والربط لكل ما يرد على الذهن.
هذا ما يدور برأسي حال متابعة أي حدث، وأرجو أن أكون موفقاً، وأبدأ بحول الله وقوته في تسجيل بعض المفاهيم التي خلصت إليها من متابعتي لما يحدث من السلفية في مصر وأحوالها بعد ثورة 25 يناير، والله أسأل أن ينفع ويرفع، ويبارك. اللهم لا حول ولا قوة إلا بك.


التوجه الديني في الأمة "السلفية"
السلفية حالة من التزام النص الشرعي (الكتاب والسنة) بذات الطريقة التي كان عليها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضوان الله عليهم. فالسلفية ليست جماعة بالمعنى التقليدي للجماعة، وإنما طريقة في فهم النص الشرعي تنعكس على السلوك الخارجي للأفراد. وأهل السلفية يعتبرون أنفسهم امتداد لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم.
فلا أفهم من كوني سلفي أنني أنتمي لتنظيم أو جماعة محددة من الناس، وإنما أنني أبذل جهدي لأن أكون على حالٍ كالتي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن تبعهم بإحسان. فهي منهج في الفهم وليست جماعة مستقلة.
ويمكن أن نقول أنها حالة من الاستغناء بالقرآن الكريم والسنة النبوية كما فهمهما الصحابة رضوان الله عليهم، فكل ما يجد من أمور يعرض على الكتاب والسنة، ثم هم بما يأمر به الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ونفرٌ يظنون أنهم يستطيعون سحب "السلفية" لساحتهم، لتغيِّر فكرها، وتخلع رداءها، وتسير كما يشاءون إلى حيث يشاءون. وعملياً لا يستطيعون، فغاية جهدهم سحب أفرادٍ من التوجه السلفي، والتجربة تقول بأن من يميل يخرج عن التوجه لا أنه يخرج بالتوجه كله، وقد يحدث جلبة وصياح ينتهي بعد قليل، فقضية تطوير السلفية فاشلة، كونها لا تخضع للأفراد وإنما للمفاهيم والتصورات، فليست تنظيم حركي يتبع هذا أو ذاك، وإنما فكر.


وفشلت الخطة!
صلابة "السلفية" على المنهج القرآني الذي أمرنا الله به في كتابه، وهو الاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ـ { فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ } [البقرة: من الآية 137]، { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} [النساء:115] ـ أفشل الله به الخطة الرئيسية للعلمانية، وهي "تطوير الشريعة الإسلامية". نعم أفشل المنتسبون للسلفية هؤلاء ـ ولا أحسب أن جلهم يدري ـ مكر الليل والنهار لقرون من الزمان، هكذا بكل بساطة.

إذ قد كان (تطوير الشريعة) هو المحور الرئيس عند العلمانية ـ وقد تحدث عن هذا وفصَّل فيه الدكتور محمد محمد حسين في كتبه: "الإسلام والحضارة الغربية"، "الاتجاهات الوطنية"، و" حصوننا مهددة من داخلها"، وخاصة الكتاب الأول ـ.
وفي سياق "تطوير الشريعة الإسلامية" لتقبل "الآخر"، وتتعايش معه، وبالتالي تتخلى عن الوقوف بوجه الغرب، خرجت كل القضايا الفكرية وكل الشخصيات التي أثارت الجدل في الأمة الإسلامية في القرنين الماضيين، والسلفية هكذا تعيدها له جذعة. وتُفْشِلُ الخطة، بل قد أفشل الله بها مكر عدوه، فقد عاد الحجاب كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وفهمه الصحابة رضوان الله عليهم وظهر في تطبيقهم العملي، وعادت الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية كما كانت، ولم يبق شيء مما "طوره" هؤلاء إلا و"السلفية" وطئت عليه. ولذا فإن أعدى أعداء السلفية هو"الآخر"، ولكنه لئيم لا يظهر، وقد تعود العمل بأذرع خارجية، تعود "تفعيل المنافقين والغافلين"، والمكر بالطيبين، إنه رابض هناك، يرقبها وهي تعمر ما قد هدمه في قرون.!

قديماً قال الأفعى الاستشراقي "جب" أن علينا كي نغير "وجه الإسلام" أن نسير في اتجاهين: الأول: بناء كوادر علمانية، والثاني: صناعة الرأي العام، وذكر أن الكوادر تصنع في البعثات لأوروبا وأوكار التعليم التابعة للغرب عندنا، والرأي العام تتكفل به الصحافة، وهناك محور ثالث لم يتكلم عنه "جب" ولكنه وجد مبكراً في فعاليات العلمانية في العالم الإسلامي، وهو العمل الخدمي بين الناس، فقد تواجد هؤلاء في الريف والأماكن النائية يقدمون "خدمات" للناس.
والآن استولى التوجه التديني التجديدي في الأمة الإسلامية على هذه الطرق جميعها، وضعف التواجد العلماني عليها. فمن يتدبر يجد أن عامة المتصدرين للتوجه الديني في مصر تحديداً من النخبة، يحملون شهادات علمية من جامعات علمانية. أطباء ،ومهندسون ،وتقنيون، بل وعامة المنتسبين للتوجه الديني في مصر من التقنيين، ومن المنتسبين للتعليم العلماني، وكذا الجماهير.. كل الجماهير يصلها الخطاب الديني الصحوي، أو الخطاب الديني الصحوي يؤثر في الجماهير وهو القادر اليوم على حشدها. والعمل الخيري المتواجد بين الفقراء ،والمحتاجين منحصر أو يكاد بين الإسلاميين.
ركبنا ـ بتوفيق الله ـ طرقهم وبدأ السير ،ولم يعد إلا أن نجد السير، ونحذر المخربين الواقفين على السبل.


الصوفية ليست أعداهم 
أول المبادرين لمنازلة السلفية في مصر هم الصوفية، و ظهر عداء الصوفية مبكراً ربما لأن الصوفية تمسك بناصية أكبر مؤسسة دينية في مصر (الأزهر)، وشخص شيخ الأزهر (أحمد الطيب) يجمع بين التصوف والفكر العلماني والمنصب السياسي، أو العداء الفكري والروحي والسياسي للتوجه السلفي، فهو شيخ طريقة صوفية ورثها عن أبيه، وقد كان نشطاً قبل توليه المشيخة في التصدي للتوجه السلفي، وقد كان عضواً في لجنة السياسيات بالحزب الحاكم ـ ولا أدري كيف غفلوا عنه لليوم ـ، وقد كان يحاضر في الجامعات الغربية ويترجم بعضاً من مراجعهم، ويبدو من تحركه أنه يعرف للسلفية قدرها، وأنه يعلم أنه لابد من منازلة فكرية قوية في ساحة واسعة مع التوجه الديني السلفي، ومستيقنٌ أيضاً أن المنازلة الفكرية مع السلفية نتيجتها محسومة لصالح السلفية وأنه لن يجني من ورائها خيراً، ولذا يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، فقد أعلن من قديم عن نشاط لنشر ما يسميه الإسلام المعتدل، ولم يفعل شيئاً إلى الآن مع توفر الإمكانات. وإن فَعَل فلن يزداد خيراً بحول ربي وقوته.

ومفتي مصر، وهو أيضاً صوفي، خريج كلية التجارة جامعة عين شمس، "يناصب السلفية العداء"، فمن حين لحين يرمي السلفية بعددٍ من الألفاظ التي لا تليق بمنصب الإفتاء!!، أسأل الله العظيم أن يمكن منه القانون، وأن يعود منصب الإفتاء للأكفاء.
وربما لأن الصوفية من عقْدٍ تقريباً تُحركها يد خفيه للتواجد في المشهد الإسلامي مزاحمةً للطيبين، وتفعيلاً للفوضى الخلاقة، وهذا ملحظٌ عام في كل بلاد المسلمين، فقد انتفشت الصوفية من قريب، وظهر هؤلاء في هذا السياق.

المقصود أن مخالفة الأزهر ـ في شخص شيخه الصوفي السياسي المثقف ثقافة غربية (يقرأ ويترجم بأكثر من لغة أوروبية)، والمفتي الصوفي الحقود ـ مخالفة جوهرية... هذه الوجوه جاءت من طريق آخر، وتريد ردنا لا مصافحتنا.
إن هذه الكلمات المؤذية الثقيلة التي تنحدر من فم شيخ الأزهر والمفتي من وقت لآخر طفحُ بركانٍ يغلي. والكلام بالمتكلم وبسياق الحال الذي يخرج فيه، وإذا كان المتكلم من وادٍ آخر، وفي سياقِ بغضٍ لنا، فليس لنا أن نتعامل مع ما يخرج منه على أنها فلتات لسان كم سمعنا مثلها، ثم هؤلاء دخلاء على الأزهر الشريف، تم تعيينهم من قبل نظام فاسد، فهم جزء منه، وإن الأزهر شريف ولابد أن يسود فيه خير رجاله علماً وأدباً وحرصاً على الخير.

إن أقل واجبٍ علينا اليوم أن نزيح عن بلدنا هؤلاء المسعرين للفتنة، الذين وقفوا ضد ثورتنا، الذين قَدِموا للمشيخة والإفتاء من نظام فاسد، آن لنا أن ندعم فكرة انتخاب شيخ الأزهر ليأتي لنا الأكفأ الذي يراعي مصلحة العباد والبلاد، لا صاحب إحن يستغل منصبه ليثير القلاقل بين عباد الله.


العدو الحقيقي 
الصوفية ليسوا أعدى الأعداء، بل أخفهم وأسرعهم استجابة للشائعات. العدو الكاشح ذو الإمكانات: النصارى والعلمانيون، والنصارى الآن يحركون العلمانيين، بل ونفراً من الإسلاميين.!!
تعرف ذلك من تتبع القضايا التي تثار في الساحة الفكرية، وتعرف ذلك من تتبع الأشخاص الذين يبرزون في الساحة الفكرية أو الإعلامية العلمانية يتحدثون عن قضايا فكرية تخالف الأصول الإسلامية.
عامة القضايا التي تثار من قرنين من الزمن مصدرها النصارى، ودليل ذلك في تتبع بداية كل قضية في القرن التاسع عشر .. مدارس الإرساليات في الشام ومصر، ونشأة الصحف، والقومية العربية، والصالونات، قد كان مصدر كل ذلك النصارى، نعم لم يكن هدفهم الرئيس نشر النصرانية، ولكن كان من أبرز أهدافهم القضاء على الخلافة الإسلامية والحيلولة دون بقاء الإسلام مسيطراً على حياة الناس، وهي النقطة (الهدف) التي التقى فيها الجميع، الاحتلال العلماني العسكري، والاستشراق، والتبشير، ونصارى الداخل.

والمادة العلمية التي أحدثت ضجيجاً في الساحة الإسلامية ـ ككتاب قاسم أمين(تحرير المرأة)، وكتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) ـ كانت من عندهم نقلاً أو مفاهيم تم إعادة صياغتها، وإلى يومنا هذا عامة القضايا التي تثار في الساحة يقف وراءها أصحاب الملة الأخرى بآلتهم الإعلامية أو بأشخاصهم. وغير قليل ممن يكتبون في المواضيع التي تثير الشغب يظهرون في منابر إعلامية تتبع أصحاب الملل الأخرى كلياً أو جزئياً، أو قل عامة المنابر الإعلامية المشهورة يتحكم فيها أصحاب الملل الأخرى، ومنها يُفعَّل حقدة النصارى والمنافقين. فلا يحل لأحد أن يلتفت عن هذا الملحظ الرئيس في الساحة الفكرية، وهو: أن وجود شوكة للكافرين هو السبب الرئيس في تفعيل المنافقين، والغافلين.
وإن أهدى سبيل أن نستمسك بمنابرنا، وأن نقف مستقلين يعرفنا الناس ويعرف أعداءنا، فالمخالطة بدعوى التحدث لجمهور كسيحة لم تنصر حبيبا ولم تغظ عدواً، وما اعتلى أحدنا غير منبره ووجد من يكرمه، بل من يستنزله، وكم تنازلوا؟؟، الفائدة التي ترجى من تلك المنابر محدودة جداً، والقضايا التي تعالج من خلالها محدودة جداً فلا داعي للهرولة لها.


ماذا في القريب ؟
العلم عند الله، ولكن نقرأ المستقبل بما مرَّ من تجارب، والذي يبدو بوضوح، أن التاريخ ينهي دور ويبدأ دورة جديدة ـ والتاريخ يدور دورات لا أنه عجلة تسير في خطٍ مستقيم كما يتحدث بعضهم ـ. نشهد اليوم انتهاء دورة العلمانية وبداية دورة جديدة من التمكين لهذا الدين لو أحسنا التعامل معها، والله نسأل أن يجعل لنا من أمرنا رشدا.

إن ما يحدث اليوم امتداد لصراع بدأ من قرنين أو يزيد، وإن القوم جادون، ماكرون، يقاتلون بأنفسهم وغيرهم، وإنهم يكيدون كيداً، وإنهم يمكرون مكراً كباراً، وقد مكننا الله بأن أتاح لنا الحديث للناس وأن برز فينا سراة، فعلينا أن ننشغل بالدعوة بالتي هي أحسن، وأن نصطف خلف سراتنا .

محمد جلال القصاص
21 / 5 / 1432 هـ
25 / 4 / 2011 م

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام